شهدت عملة «البيتكوين» انخفاضًا حادًا خلال الأيام الماضية، بعدما كسرت مستوى الدعم الرئيسي الواقع بين 82,814.03 و82,035.16 دولار، وهو النطاق الذي يضم القمم المسجلة خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار إلى مطلع سبتمبر/أيلول، قبل أن تعود للتداول ضمنه اليوم.
وتواجه العملة المشفرة ضغوطًا متزايدة نتيجة تراجع الإقبال على صناديق المؤشرات المتداولة، وتفاقم التحديات الاقتصادية الكلية، إلى جانب الارتفاع المتسارع في عوائد السندات.
وبعد هذا الهبوط، أصبحت «البيتكوين» تتداول بأقل بنحو 5% من أعلى مستوياتها المسجلة في سبتمبر/أيلول.
وجاء التراجع عقب موجة ارتفاع قوية شهدها الشهر الماضي؛ إذ بدأت العملة سبتمبر/أيلول دون مستوى 80 ألف دولار، ثم صعدت إلى 87,402.34 دولار في 21 سبتمبر/أيلول، مسجلة أعلى سعر لها منذ يناير/كانون الثاني.
غير أن العوامل التي ساهمت في دعم هذه المكاسب بدأت تفقد تأثيرها تدريجيًا. فقد شهدت التدفقات الاستثمارية إلى صناديق «البيتكوين» الفورية المتداولة في الولايات المتحدة تباطؤًا حادًا، بالتزامن مع صعود عوائد سندات الخزانة إلى مستويات لم تبلغها منذ أكثر من عشرين عامًا. كما أسهم ارتفاع أسعار النفط وعودة المخاوف المتعلقة بالتضخم في زيادة الضغوط على الأصول ذات المخاطر المرتفعة.
انخفاض ملحوظ في الإقبال على صناديق البيتكوين المتداولة
تُعد التدفقات الاستثمارية إلى صناديق «البيتكوين» الفورية المتداولة في الولايات المتحدة من أبرز العوامل التي شهدت تغيرًا خلال الفترة الأخيرة.
ففي الأسبوع المنتهي في 25 سبتمبر/أيلول، حققت هذه الصناديق صافي تدفقات داخلة بلغ 2.39 مليار دولار، في أقوى أداء أسبوعي لها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.
لكن هذا الزخم الاستثماري تراجع بصورة كبيرة خلال الأسبوع التالي.
واستقبلت الصناديق الفورية الأمريكية نحو 241.1 مليون دولار فقط في الأسبوع المنتهي في 2 أكتوبر/تشرين الأول. ورغم استمرار التدفقات في المنطقة الإيجابية، فإنها جاءت أقل بكثير من مستوى 2.39 مليار دولار المسجل في الأسبوع السابق. ومع ذلك، واصلت الصناديق تحقيق تدفقات داخلة للأسبوع الثالث على التوالي.
تدفقات صناديق البيتكوين تتحول إلى السالب في أكتوبر
ازدادت الضغوط خلال الأسبوع الجاري، مع تسجيل صناديق «البيتكوين» الفورية صافي تدفقات خارجة بقيمة تقارب 89.9 مليون دولار في 5 أكتوبر/تشرين الأول، بعد تحولها عن مسارها السابق الذي شهد يومين متتاليين من التدفقات الداخلة. وفي اليوم التالي، عادت التدفقات إلى النطاق الإيجابي، مسجلة نحو 118.8 مليون دولار.
إلا أن يوم الأربعاء، 7 أكتوبر/تشرين الأول، شهد موجة سحب أكبر بكثير، إذ بلغت التدفقات الصافية الخارجة نحو 484.9 مليون دولار، في أكبر عملية خروج يومية للأموال منذ يونيو/حزيران.
وتصدر صندوق «آي بيت» التابع لشركة «بلاك روك» قائمة الصناديق المتأثرة، بتدفقات خارجة بلغت نحو 207.7 مليون دولار. كما سجل صندوق «إف بي تي سي» التابع لشركة «فيديلتي» خروج نحو 105.1 مليون دولار، في حين خسر صندوق «إيه آر كيه بي» قرابة 101.7 مليون دولار.
وبذلك، وصلت التدفقات الصافية الخارجة من صناديق «البيتكوين» إلى نحو 456 مليون دولار خلال أول ثلاث جلسات تداول من الأسبوع الحالي.
وتوضح هذه البيانات أن الصناديق لم تعد توفر الدعم الاستثماري بالقوة نفسها التي ساعدت العملة على الصعود خلال سبتمبر/أيلول.
صناديق البيتكوين سجلت طلبًا قويًا خلال سبتمبر
رغم تراجع التدفقات الاستثمارية في أكتوبر/تشرين الأول، فإن تقييم المشهد العام يتطلب النظر إلى أداء الصناديق خلال الأشهر السابقة.
فقد جذبت صناديق «البيتكوين» الفورية الأمريكية نحو 2.65 مليار دولار خلال سبتمبر/أيلول، محققة ثاني أكبر تدفقات شهرية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025. أما أغسطس/آب، فكان أقوى أداءً، مع استقطاب تدفقات بلغت قرابة 3.52 مليار دولار.
وأسهمت التدفقات المسجلة في سبتمبر/أيلول في إعادة إجمالي التدفقات التراكمية للصناديق خلال عام 2026 إلى المنطقة الإيجابية، بعد أن كانت قد سجلت عجزًا بنحو 5.8 مليار دولار حتى يوليو/تموز.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التصحيح السعري الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء اهتمام المؤسسات والمستثمرين المنظمين بعملة «البيتكوين».
لكن البيانات الأخيرة توضح أن هذا الطلب أصبح أكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار والتطورات الاقتصادية الكلية. ففي أثناء صعود العملة إلى مستويات مرتفعة، تسارعت التدفقات الاستثمارية إلى الصناديق، بينما بدأ الزخم يتراجع مع تعثر السعر دون 87,500 دولار وتصاعد الضغوط الاقتصادية.
وتزداد أهمية هذا الترابط إذا انخفض سعر «البيتكوين» مجددًا دون نطاق الدعم الممتد بين 82,814.03 و82,035.16 دولار.
عوائد سندات الخزانة المرتفعة تضغط على البيتكوين
يشكل الصعود الحاد في عوائد سندات الخزانة الأمريكية العامل الرئيسي الثاني وراء تراجع «البيتكوين» خلال الفترة الأخيرة.
فقد ارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.32% في 8 أكتوبر/تشرين الأول، مقتربًا من مستويات لم تُسجل منذ عام 2002، وسط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف التضخمية، الأمر الذي دفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية.
وتؤثر العوائد المرتفعة سلبًا على جاذبية «البيتكوين»، نظرًا إلى أنها لا توفر دخلًا دوريًا لحائزيها. ومع ارتفاع العوائد المتاحة من السندات الحكومية، ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن موجة صعود «البيتكوين» في سبتمبر/أيلول حدثت رغم صعوبة بيئة أسعار الفائدة آنذاك.
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 16 سبتمبر/أيلول، في أول زيادة منذ عام 2023. وبعد ذلك، عزز ارتفاع عوائد سندات الخزانة الضغوط الناتجة عن تشديد الأوضاع المالية، بالتزامن مع تراجع الزخم الذي دعمته تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة.
وبذلك، أصبحت الظروف المالية أقل ملاءمة للأصول عالية المخاطر بوجه عام، مع تعرض «البيتكوين» لضغوط إضافية نتيجة تراجع تدفقات الصناديق وارتفاع عوائد السندات وتصاعد المخاوف التضخمية.















