تواجه رواية «البيتكوين كذهب رقمي» اختباراً صعباً مع عودة التقلبات إلى الأسواق العالمية، في وقت يلجأ فيه المستثمرون تقليدياً إلى الأصول الآمنة هرباً من الضبابية الجيوسياسية وتصاعد التوترات التجارية.
ويعكس الهبوط الأخير في أسعار العملات المشفرة تحولاً أعمق في نظرة المستثمرين إلى الأصول الرقمية، التي طالما اعتُبرت وسيلة للتحوط من التضخم والاضطرابات الاقتصادية. فقد تراجع سعر البيتكوين إلى أدنى مستوياته منذ صدمة الرسوم الجمركية في العام الماضي، ما أدى إلى تآكل صورته باعتباره «البديل الرقمي للذهب».
وانخفضت أكبر عملة مشفرة من حيث القيمة السوقية إلى ما دون 80 ألف دولار، لتتوسع خسائرها منذ بداية العام إلى نحو 13%. ويأتي هذا التراجع رغم الارتفاع الشهري القوي في أسعار الذهب وغيرها من المعادن النفيسة، على الرغم من تقليص مكاسبها مع نهاية الشهر، إذ يتجه المستثمرون إلى الملاذات الآمنة وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية والتهديدات بفرض رسوم جمركية.
ولطالما دافع مؤيدو العملات المشفرة عن البيتكوين باعتباره «ذهباً رقمياً»، أي نسخة افتراضية من المعدن النفيس، معتبرين إياه ملاذاً آمناً في أوقات التوتر.
ونقل تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» عن كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في شركة ماركس سوليوشنز، إيلان سولوت، قوله إن البيتكوين «أصل لا يزال يبحث عن نموذج تقييم»، مشيراً إلى أنه «لا يوجد إجماع واضح» حول ما ينبغي أن يحدد سعره.
بدوره، قال العضو المنتدب في شركة بيمكو، برامول داوان، إن سردية الذهب الرقمي للبيتكوين «تلاشت»، وإن تراجع سعرها يؤكد أنها «ليست ثورة نقدية».
وكتب محللون في شركة أبحاث العملات الرقمية «كايكو» أن العلاقة بين البيتكوين والذهب غير مستقرة بطبيعتها، إذ تتأرجح بين ارتباطات إيجابية وسلبية قوية تبعاً للسردية الاقتصادية الكلية السائدة، مضيفين أن تقلبات الرسوم الجمركية كشفت عن أزمة هوية مستمرة للبيتكوين.
عوامل متداخلة
من جانبه، قال رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»، إن التراجع الحاد الذي شهدته العملات المشفرة، وفي مقدمتها البيتكوين، جاء نتيجة تداخل عوامل أساسية وفنية عدة، أدت إلى فقدانها أكثر من ثلث قيمتها مقارنة بمستويات أكتوبر.
وأوضح أن العامل الأبرز يتمثل في التطورات الأخيرة المتعلقة بالسياسة النقدية الأميركية، ولا سيما الإشارات إلى تشدد محتمل من جانب الاحتياطي الفيدرالي، ما عزز التوقعات باستمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، وهي بيئة تضغط عادة على الأصول عالية المخاطر مثل العملات المشفرة. وأشار إلى أن هذا العامل وحده أسهم في تراجع البيتكوين بنحو 6 آلاف دولار خلال الشهر الجاري.
وأضاف أن خروج السيولة من سوق العملات المشفرة كان عاملاً إضافياً، مع تسجيل موجة تخارج ملحوظة من صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالعملات الرقمية، ما فاقم الضغوط البيعية.
وأكد كذلك أن عزوف المستثمرين عن المخاطرة لعب دوراً محورياً في هذا التراجع، في ظل ارتفاع مستويات التقلب وعدم وضوح الرؤية، لافتاً إلى أن العملات المشفرة من أكثر الأصول حساسية لتغير شهية المخاطر.
وعلى الصعيد الفني، أوضح يرق أن كسر مستويات دعم مهمة دون 80 ألف دولار سرّع وتيرة الهبوط، وأدى إلى عمليات تصفية واسعة للمراكز، خصوصاً تلك المعتمدة على الرافعة المالية، ما ضاعف الضغوط على الأسعار.
وتوقع في ختام حديثه أن تشكل المنطقة بين 69 و74 ألف دولار مستوى دعم رئيسياً في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن أي تحسن في شهية المخاطرة قد يفتح الباب أمام موجة صعود جديدة في سوق العملات المشفرة.
وكان سعر البيتكوين قد بلغ مستويات قياسية قرب 125 ألف دولار في أواخر العام الماضي، مع ترحيب المستثمرين بخطوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعمة للعملات المشفرة، بما في ذلك تعيين جهات تنظيمية مواتية، ووقف إجراءات الإنفاذ ضد شركات القطاع، وإقرار أطر تنظيمية تاريخية للعملات المستقرة.
إلا أن السعر تراجع منذ ذلك الحين بشكل حاد، كما تكبدت عملات رقمية أخرى، مثل إيثيريوم وسولانا، خسائر كبيرة منذ ذروتها في العام الماضي.
ودفعت تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية، وتصريحاته بشأن غرينلاند، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية الأوسع مع إيران وفنزويلا، المستثمرين إلى الإقبال على الذهب والفضة، رغم تقليص مكاسبهما في نهاية الأسبوع الماضي، في حين ما زال المتداولون ينظرون إلى العملات المشفرة كأصول أكثر خطورة.
وأشار تقرير لشبكة «سي إن بي سي» الأميركية إلى أن التراجع الأخير في أسعار العملات المشفرة جاء في أعقاب اختيار ترامب لكيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما دعم الدولار الأميركي وقلل المخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي، الأمر الذي قد يحد من جاذبية البيتكوين كعملة بديلة.
وفي حال إقرار مجلس الشيوخ الأميركي لهذا التعيين، سيخلف وارش الرئيس الحالي جيروم باول، الذي تنتهي ولايته في مايو. وكان ترامب قد انتقد باول مراراً، لا سيما بسبب تردده في خفض أسعار الفائدة منذ توليه المنصب عام 2018.
ويُعد تراجع العملات المشفرة ضربة جديدة للمستثمرين الأفراد، الذين تأثروا أيضاً بالانخفاض الحاد في أسعار الفضة الفورية يوم الجمعة، في أسوأ جلسة منذ مارس 1980.
الأسباب والسيناريوهات
وقال رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»، إن البيتكوين فقدت أكثر من ثلث قيمتها منذ بلوغها ذروتها في أواخر عام 2025 عند مستويات قاربت 126 ألف دولار، لتتراجع حالياً إلى ما دون 80 ألف دولار، في استمرار واضح للضغوط التي تضرب الأصول الرقمية عالية المخاطر.
وأوضح أن هذا الهبوط ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل عوامل أساسية وتقنية وسلوكية، في مقدمتها تراجع السيولة العالمية وارتفاع تكاليف الاقتراض، إلى جانب تغير توقعات السياسة النقدية والضبابية المحيطة بقيادة الاحتياطي الفيدرالي، ما زاد المخاوف من تشديد مالي أوسع يضغط بقوة على الأصول مرتفعة المخاطر، وعلى رأسها العملات المشفرة.
وأضاف أن انكماش السيولة صعّب عمليات المضاربة وحدّ من دخول سيولة شرائية جديدة، وهو ما انعكس بوضوح على صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالبيتكوين، التي شهدت خلال الأسابيع الماضية خروج مليارات الدولارات، في مؤشر على تراجع الطلب المؤسسي وليس فقط طلب الأفراد، ما زاد من الضغوط البيعية، خصوصاً مع تخارج مستثمرين كبار.
وأشار صليبي إلى أن تصفية المراكز ذات الرافعة المالية المرتفعة لعبت دوراً رئيسياً في تسريع الهبوط، إذ أدى كسر مستويات دعم فنية مهمة إلى عمليات إغلاق تلقائي للمراكز المقترضة، ما عزز الاتجاه الهابط وعمّق الخسائر، في مشهد مشابه لما شهدته أسواق الذهب مؤخراً.
وبيّن أن هذه العوامل أسهمت في ما يُعرف بتدوير رؤوس الأموال، حيث تنتقل السيولة من العملات المشفرة إلى أصول أقل تقلباً وأكثر أماناً، مثل السندات أو أدوات استثمارية أخرى، في ظل تصاعد المخاطر.
ولفت إلى أن التوترات الجيوسياسية والسياسية، إلى جانب الأخبار التنظيمية، بما في ذلك التصريحات المتعلقة بالرسوم الجمركية أو التغييرات المحتملة في الأطر التنظيمية، لا تزال عاملاً إضافياً يزيد من حدة التقلبات في الأسواق.
وحول السيناريوهات المقبلة، قال صليبي إن من المبكر تحديد موعد توقف التراجع السعري، لكنه أشار إلى عدة احتمالات، من بينها:
سيناريو التماسك السعري إذا نجحت البيتكوين في الحفاظ على مستويات دعم نفسية وفنية بين 75 و80 ألف دولار، ما قد يخلق توازناً نسبياً بين قوى البيع والشراء ويحد من وتيرة الانخفاض.
وسيناريو الانعكاس الإيجابي في حال عودة السيولة إلى الأسواق، سواء عبر خفض محتمل لأسعار الفائدة أو خطوات تنظيمية داعمة تعيد الثقة وتجذب رؤوس الأموال مجدداً.
وفي المقابل، حذّر من أن استمرار سحب الأموال من صناديق البيتكوين وتراجع الطلب المؤسسي قد يدفع الأسعار إلى مستويات أدنى، خصوصاً إذا تفاقمت المخاوف السياسية والاقتصادية، في ظل التقلبات العنيفة التي شهدتها أسواق المعادن، وعلى رأسها الذهب، خلال الفترة الأخيرة.
















