استقر الدولار خلال تعاملات اليوم الأربعاء، لكنه تلقى دعمًا من عاملين متناقضين ظاهريًا: تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط من جهة، وارتفاع توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية من جهة أخرى. وفي المقابل، جاءت بعض البيانات الاقتصادية الأخيرة أضعف من توقعات الأسواق، ما يضع العملة الأمريكية أمام معادلة أكثر تعقيدًا قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر.
سجل مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية تشمل اليورو والين، ارتفاعًا بنسبة 0.1% إلى 99.72 نقطة. ورغم محدودية المكاسب، فإن استمرار تماسك الدولار يعكس استفادة العملة من الطلب على الأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها ملاذًا آمنًا عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية.
النفط يعيد التضخم إلى الواجهة
كان التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران أحد أبرز العوامل المؤثرة في حركة الأسواق. وبعد سلسلة غارات جوية أمريكية على إيران يوم الثلاثاء، ردت طهران في تصعيد وصف بأنه الأخطر منذ أسابيع، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر إمدادات الطاقة.
ارتفعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة، إذ صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 95.52 دولارًا للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 91.02 دولارًا. وتكتسب هذه المستويات أهمية بالنسبة للدولار لأنها تعيد مخاطر التضخم إلى الحسابات النقدية، خصوصًا إذا استمرت أسعار الطاقة المرتفعة في زيادة تكاليف الشركات والمستهلكين.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين النفط والاحتياطي الفيدرالي: ارتفاع تكاليف الطاقة قد يجعل مهمة السيطرة على التضخم أكثر صعوبة، وبالتالي يزيد أهمية البيانات المقبلة في تحديد ما إذا كانت السياسة النقدية الحالية كافية أم أن البنك سيحتاج إلى مزيد من التشديد.
عوائد السندات تمنح الدولار دعمًا إضافيًا
لم يأتِ دعم الدولار من المخاطر الجيوسياسية وأسعار النفط فقط، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية أيضًا. وصعد العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.8%، بينما ارتفع العائد على السندات لأجل 20 عامًا إلى 5.2%.
وتجعل العوائد المرتفعة الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن عائد، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على العملة كملاذ آمن. لكن التأثير لا يتوقف عند الدولار؛ فارتفاع عوائد السندات يزيد تكلفة التمويل ويضغط في الوقت نفسه على جاذبية الأصول الأكثر مخاطرة، مثل الأسهم.
الأسواق ترفع رهاناتها على الاحتياطي الفيدرالي
المفارقة الأبرز أن قوة الدولار جاءت رغم صدور بيانات اقتصادية أقل من توقعات السوق. فقد جاءت بيانات فرص العمل المتاحة لشهر يوليو وفق JOLTS، إلى جانب مؤشر معهد إدارة التوريد لقطاع التصنيع في أغسطس، دون التوقعات.
لكن هذه البيانات لم تمنع الأسواق من زيادة رهاناتها على رفع الفائدة في سبتمبر، خصوصًا بعد خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول. وارتفعت احتمالات رفع الفائدة إلى نحو 70%، مقارنة بحوالي 40% قبل أسبوع، وفق أداة FedWatch التابعة لمجموعة CME.
وهذه الزيادة مهمة للدولار لأنها تعكس تغيرًا سريعًا في تسعير السياسة النقدية. فكلما ارتفعت احتمالات رفع الفائدة، زادت قدرة توقعات العائد على دعم العملة الأمريكية، حتى مع وجود مؤشرات على تباطؤ بعض جوانب الاقتصاد.
بيانات الوظائف والتضخم تحسم المعادلة
لم يُغلق ملف قرار سبتمبر بعد، إذ من المقرر صدور بيانات الوظائف وتضخم أسعار المستهلكين لشهر أغسطس قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر. وتتوقع الأسواق أن يظهر تقرير الوظائف إضافة أصحاب العمل نحو 56 ألف وظيفة خلال الشهر الماضي، وفق متوسط تقديرات الاقتصاديين الذين استطلعت رويترز آراءهم.
وتكتسب هذه البيانات أهمية لأنها ستحدد مقدار الثقة التي يمكن أن يبني عليها الفيدرالي قراره. وكان عضو البنك مايكل بار قد قال إن استمرار التضخم دون انخفاض سريع قد يستدعي رفع أسعار الفائدة، ما يعزز حساسية الأسواق تجاه أي مفاجأة صعودية في التضخم.
الدولار أمام اختبار مزدوج
المشهد الحالي يضع مؤشر الدولار بين قوتين متعارضتين. فالتوترات العسكرية وارتفاع النفط وعوائد السندات تدعم الطلب على العملة، بينما قد تؤدي البيانات الاقتصادية الضعيفة إلى تقليص مبررات التشديد النقدي إذا استمرت في إظهار تباطؤ النشاط.
لذلك، لا يبدو أن اتجاه الدولار سيُحسم من خلال عامل واحد. فبيانات الوظائف والتضخم المقبلة ستكون حاسمة في اختبار توقعات رفع الفائدة، بينما ستظل تطورات الشرق الأوسط مؤثرة في أسعار النفط وشهية المستثمرين للمخاطرة. وحتى ذلك الحين، يبقى الدولار مستفيدًا من موقعه كملاذ آمن ومن ارتفاع رهانات الأسواق على تحرك الاحتياطي الفيدرالي، لكن استمرار هذا الدعم سيظل مرتبطًا بما ستكشفه البيانات والتطورات الجيوسياسية المقبلة.
















