فرض الارتفاع الأخير في عوائد سندات الخزانة الأميركية تحدياً جديداً على شركات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على الاقتراض، في ظل زيادة تكلفة التمويل اللازم لمواصلة التوسع السريع في بناء مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالتقنيات الحديثة.
وتوقعت “جي بي مورغان” في يونيو الماضي أن تبلغ إصدارات الديون المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي نحو 4.1 تريليون دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بتوسع شركات مراكز البيانات وغيرها من الشركات العاملة في القطاع لمواكبة النمو المتسارع في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي.
وصعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى قرابة 5.17%، بارتفاع يقترب من نقطة مئوية منذ مطلع العام، الأمر الذي يعني أن الشركات الساعية للحصول على تمويل ستحتاج إلى دفع عوائد أعلى للمستثمرين من أجل دعم خطط التوسع، بحسب شبكة “CNBC” التي نقلت عنها “العربية Business”.
تماسك السوق رغم ارتفاع الضغوط
وتشير تحركات بعض الأسهم إلى أن الأسواق لم تصل بعد إلى مستويات القلق الشديد، إذ صعد سهم “كور ويف” بنحو 8% خلال الأسبوع، رغم اعتماد الشركة بشكل كبير على الديون في تمويل أعمالها. وفي المقابل، انخفض سهم “أوراكل” 7% خلال الفترة نفسها، متراجعاً بنحو 30% منذ بداية العام.
وتمكنت “سوفت بنك” اليابانية، التي تعد من أبرز المستثمرين الداعمين لقطاع الذكاء الاصطناعي، من جمع 11.1 مليار دولار هذا الأسبوع من خلال إصدار سندات مرتفعة المخاطر، مع وصول العائد على الشريحة ذات أجل سبع سنوات إلى 9.75%.
وقال مارك مالك، رئيس الاستثمار في “سيبرت فاينانشال”، إن عدداً كبيراً من شركات الذكاء الاصطناعي بات يهتم بتأمين أكبر حجم ممكن من رأس المال للحفاظ على تنافسيته، بدلاً من التركيز بشكل رئيسي على تأثير تكلفة التمويل.
الشركات الكبرى تتمتع بميزة تمويلية
وتقود شركات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى، مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، جانباً رئيسياً من الطفرة الحالية، مع اقتراب القيمة السوقية لكل منهما في الأسواق الخاصة من مستوى تريليون دولار.
كما أنفقت شركات التكنولوجيا الكبرى، من بينها “أمازون” و”غوغل” و”ميتا” و”مايكروسوفت”، مئات المليارات من الدولارات على الإنفاق الرأسمالي خلال العام الحالي لتطوير البنية التحتية المطلوبة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بزيادة هذه الاستثمارات خلال 2027.
وتتمتع هذه الشركات بتصنيفات ائتمانية قوية تساعدها على الحصول على التمويل بتكاليف أقل، بينما تواجه الشركات الأصغر والأحدث ضغوطاً أكبر مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة.
تحذيرات مبكرة من صعوبة التمويل
وحذر مستثمر بارز في سوق الائتمان الخاص من احتمال زيادة صعوبة تمويل شركات “السحابة الجديدة” أو “Neocloud” مستقبلاً، في ظل قدرتها المحدودة على تحمل أعباء تكاليف الاقتراض المرتفعة.
وأوضح رايلي تومبسون، نائب الرئيس في “ميتسوبيشي إتش سي كابيتال أميركا”، أن المقرضين باتوا يدققون بصورة أكبر في المشروعات التي يوافقون على تمويلها، حتى عندما يبدي المقترضون استعدادهم لتحمل معدلات فائدة أعلى.
وأفصحت “كور ويف” في تقاريرها التنظيمية عن أن ارتفاع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس يمكن أن يزيد مصروفاتها السنوية على الفوائد بنحو 30 مليون دولار، استناداً إلى حجم ديونها ذات العائد المتغير.
وظهرت إشارة أخرى في السوق هذا الأسبوع مع تراجع سهم “أوراكل” بعد تقرير أفاد بأن الشركة أرسلت إشعاراً يتعلق بـ”القوة القاهرة” بشأن مشروع مركز بيانات ضخم في نيو مكسيكو، في خطوة تهدف إلى حمايتها من أي ارتفاع محتمل في التكاليف. ومع ذلك، أكدت الشركة استمرار المشروع وفق الجدول الزمني المحدد.
ضغوط تتجاوز ارتفاع أسعار الفائدة
ولا تقتصر التحديات التي تواجه قطاع الذكاء الاصطناعي على ارتفاع تكاليف الاقتراض، إذ دعا مسؤولون في “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” إلى تباطؤ تطوير التقنيات المتقدمة، عقب تحذيرات بحثية بشأن مخاطر فقدان السيطرة على النماذج فائقة التطور.
وفي الولايات المتحدة، تزايدت كذلك الاعتراضات الشعبية على إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، حيث أظهرت استطلاعات حديثة أن 69% من المشاركين يعارضون إقامة هذه المنشآت بالقرب من مناطق سكنهم، الأمر الذي يضيف تحديات سياسية وتنظيمية إلى توسع القطاع.
قوة الطلب تدعم استمرار التمويل
ورغم هذه الضغوط، واصلت السوق إظهار طلب قوي على خدمات الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بالانتشار المتزايد للتطبيقات الجديدة والخدمات القائمة على النماذج التوليدية.
ويتوقع مسؤولون في مجالي التمويل والبنية التحتية استمرار ضخ إصدارات ضخمة من الديون خلال السنوات المقبلة، مستندين إلى قوة الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي التي قد تدفع المستثمرين والشركات إلى قبول تكاليف تمويل أعلى.
ويرى خبراء في التمويل أن الزيادة في أعباء الفائدة ستنتقل في نهاية المطاف إلى طرف ما ضمن سلسلة القيمة، إلا أن الطلب المرتفع على قدرات الحوسبة والرقائق المتطورة يجعل الحصول على تمويل للمشروعات الكبرى أسهل نسبياً مقارنة ببعض القطاعات الأخرى.
ويعتقد عاملون في أسواق التمويل أن الشركات التي ترتبط بعقود طويلة الأجل مع “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” ستتمكن من مواصلة جذب التمويل رغم ارتفاع تكلفته، في ظل سباق عالمي يركز على سرعة التوسع حتى مع الضغوط التمويلية قصيرة الأجل.
















